بسم الله الرحمن الرحيم
فكر الزيدية ودعاة اللا مذهبية
في مقاله بعنوان "هذا هو فهمنا لمسألة التقريب" الذي نشرته صحيفة 26 سبتمبر في عددها (473) بسط الأخ مصطفى ما اعتبره مفهوما للاخوان المسلمين من مسألة التقريب بين المذاهب مشيرا إلى ما اعتبره مفهوما لهم عن الفكر الزيدي.
وأنا قبل أن أناقش ما ورد في ذلك المقال أتساءل! هل يعبر الأخ نصر طه مصطفى فعلا عن الاخوان المسلمين.. أم يعبر عن رأي نفسه؟ فإن كان يعبر عن الاخوان ويعكس آراءهم فان مناقشة هذه الآراء باعتماد المصادر الفكرية لحركة الاخوان المسلمين ستكون بمثابة الهزة التي تزلزل الثقة بحركة الاخوان في اليمن وتمحو ما كسبته من تأييد بفضل فكرها النير في أنحاء مختلفة من عالمنا الاسلامي.. ولان ما أعلم عن حركة الاخوان وروادها الأوائل لا يزال يولد في نفسي حتى الآن مشاعر الاحترام للأهداف النبيلة التي سعت إلى تحقيقها ولاعتقادي أن الصوت الذي يعبر عن الاخوان لا يمكن أن يكون صوت تمزيق وتشتيت فاني أفترض أن الأخ نصر طه مصطفى في مقاله السابق الإشارة إليه يعبر عن رأيه الشخصي ومن ثم فاني سأتعامل معه على هذا الأساس.
وسأبدأ من حيث انتهى مقاله حيث أدعى أن الحملة الصحفية التي شنها هو وزملاؤه في جريدة الصحوة على ما أسموه بـ"الفكر الملكي" لم يكن موجها إلى الفكر الزيدي مدللا إلى أنه قد نبه إلى هذه المسألة في مقال سابق له في الصحوة بعنوان "هؤلاء هم الملكيون الإماميون" ومتحديا أكثر من مرة اثبات مهاجمتهم للفكر الزيدي مما كتبوه.. وأنا إذ أرفض كلمة "تحدي" باعتبار أننا في رحاب الحوار الفكري ولسنا في حلبة مصارعة، فاني الحظ طلبا لبيان ما هو بين عند الجميع باستثناء الأخ نصر وأود ابتداء أن أنوه إلى ملحوظة ملخصها أن كتاب الصحوة بما فيهم الاخ نصر قد خففوا من كتاباتهم الأخيرة – من استخدام تعبير "الإمامة والإماميين" بعد أن نبهناهم إلى أن هذا التعبير يشمل أئمة كل فن بما فيهم أئمتهم، وأخيرا فعلوا، ولكنهم ظلوا يستخدمون تعبير "ملكي" بالرغم أننا قد نبهناهم أن تعبير "الفكر الملكي" لا ينطبق على فكر الزيدية باعتبار أن فكر الزيدية يناهض الملك ويرفضه، ولا يقر مبدأ الوراثة في الحكم واشرنا إلى أن أي أخطاء تطبيقية في مسيرة القكر الزيدي ليست حجة عليه بل ان الفكر يظل حجة على التطبيق.. وبطبيعة الحال، أنا لا أنتظر أن يسلم كتاب الصحوة بخطأ شعاراتهم التي انطلقوا منها بهذه السرعة.
والآن أسأل الأخ نصر طه مصطفى فكر من هذا الذي تسميه الفكر الملكي والذي تؤيد الثورة الثقافية عليه ..؟ وإلى أي فكر ينتمي الأئمة المجتهدون والأفذاذ الذين تناولتهم أقلامكم بالتجريح ظلماً وبهتانا كالإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين، والإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة، والإمام المهدي بدين الله أحمد بن يحيى المرتضى وغيرهم ..؟ لا أعتقد أنك الآن ستصر على نسبتهم إلى الفكر الماركسي كما فعلت في سلسلة مقالاتك عن الإمامة والماركسية، إلا في حالتين.
الأولى : أن تكون جاهلا بالفكر الزيدي جهلا مطبقا وعادة الإنسان إذا جهل شيئا عاداه.
الثانية : أن تكون عارفا بهذا الفكر ولكنك تناصبه العداء لأمر في نفس يعقوب، وهنا مكمن الخطورة، وأنا أربا برجل يدعي تحدثه باسم الدين ويحمل لواء الدعوة إلى الله أن تكون فيه خصلة أو أكثر من خصال النفاق يحمل بها معول هدم الدين باسم الدين.. ولذلك فاني سأفترض جهلك بفكر الزيدية.. ويجب عليَّ في هذه الحالة أن أبصرك إلى أن فكر الزيدية يشتمل على شعبتين رئيسيتين : أصول الدين والعقائد، والفروع الفقهية.
أما ما يتصل باصول الدين والعقائد، فان الأسس التي قال بها الإمام زيد في الحجاز، والعراق، والجيل والديلم، واليمن، وقد بذل معتنقوا هذه الأسس دماءهم وضحوا بأرواحهم في سبيل تجسيدها، والتاريخ الإسلامي أكبر شاهد على ذلك.. وظل مجتهدوا الزيدية في اليمن ينطلقون في أصول الدين من أسس الإمام زيد عليه السلام.. ابتداء بالهادي عليه السلام وابنيه مرورا بالإمام عبدالله بن حمزة والإمام يحيى بن حمزة والإمام أحمد بن سليمان والإمام أحمد بن يحيى المرتضى وانتهاء بالمتأخرين كالإمام القاسم بن محمد والإمام المتوكل على الله إسماعيل وغيرهما.. وللمساعدة في التأكيد من هذه الحقيقة أرجو قراءة ما جمعه الدكتور أحمد محمود صبحي من فكر بعض الأئمة السابق ذكرهم في كتاب له بعنوان "الزيدية" الذي بدأ في مستهله بعرض فكر مؤسس المدرسة الزيدية الإمام زيد عليه السلام، ولا أعتقد أن يطلق الدكتور صبحي كلمة الزيدية على من تعتبر فكرهم ملكيا وهم ليسوا زيدية، كما يمكنك قراءة كتاب محمد أبو زهره "الإمام زيد" وكتاب عبدالرحمن الشرقاوي "أئمة الفقه التسعة" ويمكنك أيضا أن تقرأ رسائل علمية حصل أصحابها على درجات علمية رفيعة كرسالة الدكتور أحمد عارف في الصلة بين الزيدية والمعتزلة، ورسالة الأخ عبدالفتاح شائف نعمان "الإمام الهادي واليا ومجاهدا وفقيها" ورسالة الدكتور محمد الحاج حور الآراء الكلامية للإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى، ورسالة الدكتور أحمد المأخذي في نفس الموضوع.
أما ما يتصل بالفروع الفقهية فإن مجموع الإمام زيد عليه السلام في الحديث والفقه يعد من أصح الكتب المعتمد عليها بعد كتاب الله، ولكن لما كان مناط الفقه هو الاجتهاد، فقد نشأت في إطار المدرسة الزيدية، مذاهب فقهية لها استقلاليتها كالمذهب الهادي، والناصري، والقاسمي، وظلت قاعدة الاجتهاد، التي أوقفت في المذاهب الأخرى في وقت مبكر هي أساس منطلق الفقه المذهبي وبها تجدد الفقه الزيدي واتسعت آفاقه واطل بسماحته على الفقه الإسلامي لمختلف المذاهب الإسلامية ولو قرأت في كتب الفقه الهادوي الزيدي، كالانتصار، والأثمار، وشرح الأزهار لوجدت سعة الأفق الحقيقي.. فهو فقه يدرس آراء أئمة المذاهب وفقهاء الشريعة حتى المغمورين منهم ويناقشها دون تعصب أو عسف ويقول رأيه معهم.. وليس هناك كتب فقهية كمثلها عند المذاهب الإسلامية الأخرى، وإذا كانت هناك كتب مقارنة فإنها تقتصر على الإدلاء باراء المذاهب الأربعة دون التطرق لفقه أهل البيت اللهم إلا بالنسبة لكتاب المتحدثين.
وإذا أراد الأخ نصر أن يتعرف على الأسس الفقهية للمذهب الهادوي الزيدي، على سبيل المثال، فيمكن قراءة مقدمة شرح الأزهار أو كتب الزيدية للعلامة المرحوم القاضي حسين السياغي.
وفي ضوء ما سبق يتضح أن ما يطلق عليه الأخ نصر ورفقاؤه "الفكر الملكي" هو فكر الزيدية وخصوصا في مجال الأصول ومن ثم فان قوله "إذا كان الدكتور أحمد شرف الدين يعتقد أن ما انتقده من ركائز ومنطلقات عنصرية وعرقية هي الفكر الزيدي فليعلم أني لا أعتبرها كذلك بل وأبرئ الإمام زيد رضي الله عنه منها "هو قول يجافي الحقيقة، بل ان الأخ نصر وهو يحاول أن ينفي عن نفسه التهمة محاربة الفكر الزيدي.. يجر نفسه إلى الحديث عن مسائل هي حجة عليه لا له.
والمثال على ذلك في هذا الصدد ما قاله الأخ نصر في معرض تعليقه على قولي بأن الفكر الزيدي يتسم بالسماحة وسعة الأفق، حيث قال "ولذلك فقد أضحكني وهو يتحدث عن السماحة، وسعة الأفق لأنه يتصور أن الناس قد نسوا ماذا فعلت هذه السماحة وسعة الأفق بالرعيل الأول من المجتهدين، كابن الوزير، وابن الأمير، والشوكاني، والمقبلي ....الخ" فهو بهذا يؤكد أولا أنه يعني الفكر الزيدي، وحملته.. وهو ثانيا يحاول أن يكون محاميا على من أفصحوا بانفسهم عن أحوالهم.. ولننظر إلى قول العلامة محمد بن على الشوكاني وهو يترجم لثلاثة من الأئمة الذين عاصرهم والذين يدعي الأخ نصر أنهم اضطهدوه وأعلنوا الحرب عليه.
ويكفي في هذا الصدد أن أحيل الأخ نصر وغيره ممن يريد معرفة الحقيقة إلى كتاب الشوكاني رحمه الله المتخصص في تراجم الرجال، المسمى "البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع" للتعرف على رايه في كل من المنصور علي بن المهدي عباس وابنه المتوكل أحمد ثم المهدي عبدالله وهم من عاصرهم وعمل معهم، والتعرف على رأيه أيضا فيمن سبقهم من الرجال الذين ترجم لهم.
والآن أسأل الأخ نصر بعض الأسئلة :
1. لماذا شنيتم حملتكم الصحفية المحمومة ضد الفكر الزيدي، وخصوصا ما يتعلق بالولاية العامة في الوقت الذي قد أسدل على هذا الأمر ستار من الزمن يمتد إلى ثلاثين عاما احتكمنا جميعا خلالها للدساتير، وبعد أن عزز الشعب هذا التوجه بالموافقة على الدستور عن طريق الاستفتاء، وقد تضمن الدستور الأحكام المتعلقة بتولي الولاية العامة وهي من أحكام محل رضا من الجميع ..؟
2. لماذا تحكمون على الأحزاب والتنظيمات السياسية المخالفة لكم في الرأي كحزب الحق، أنها أحزاب مشبوهة وأنها تسعى لاعادة الإمامة إلى غير ذلك في الوقت الذي لهذه الأحزاب أهداف معلنة تحتكو إلى الدستور وتدعوا إلى مزيد من الديمقراطية، إلى مزيد من الآليات الحديثة، وفي الوقت الذي قد أعلنت فتوى اجتهادية بهذا الصدد جعلت الحق في هذا الأمر موكولا إلى الأمة وقد اطلع على هذه الفتوى الاجتهادية القاصي والداني..؟
3. لماذا تلصقون فكرة العنصرية بالفكر الزيدي فقط، وتشنون عليه الغارات وتصفونه بأنه فكر إبليس وتسمون حملته بأقبح الألفاظ في حين أن هذه الفكرة هي فكرة كل المذاهب باستثناء الخوارج على خلاف من حيث السعة والضيق، ولماذا لم توسعوا الحملة منذ البداية على الفكرة أينما وجدت حتى يستبين لمثقفي الصحوة أن هذه الفكرة ليست زيدية فقط..؟
4. إنكم وقد اضطريتم – بعد كشف فكر أهل السنة والجماعة حول هذه النقطة – وعرض الأحاديث النبوية المعززة لها، إلى التنصل من دلالتها، لماذا لا تعلنون لمثقفي الصحوة أنكم قد غيرتم منهجكم في حجية السنة، وجعلتم لأنفسكم الحق في رد الأحاديث التي وردت في صحاح الحديث وهي عند بعضكم متواترة اللفظ والمعنى.. ومن ثم يخفف خطباء المنابر التابعين لكم من تمسكهم بالأحاديث الضعيفة منها والصحيحة والتي يبنون عليها أحكاما في غاية الخطورة والتي يؤمن بها بعضهم إلى حد بذل النفس وجهاد من يردها.
أما ما يتصل بدعوة الأخ نصر وأصحابه إلى نبذ المذهبية والأخذ مباشرة بالكتاب والسنة الصحيحة، وادعاء الأخ نصر أن الاخوان المسلمين لا يتقيدون بآراء المذاهب الإسلامية.. فاني قبل أن أناقش هذه الفكرة ينبغي أن ابين ما يأتي :-
إن المسلمين ثلاثة لا رابع لهم.. إما عامي لا مذهب له، فهذا مذهبه مذهب مفتيه أو مذهب من وافق.. وإما مقلد، وهذا مذهبه مذهب من يقلد من الأئمة المجتهدين المطلقين.. وإما مجتهد.. وهذا مذهبه مذهب نفسه ولا يجوز له التقليد.. وقد بينت مقدمة متن الأزهار هذا الأمر ببساطة شديدة في أول عبارة لها بالقول.. "التقليد في المسائل الفرعية العملية الظنية والقطعية جائز لغير المجتهد لا له" وتقول في عبارة أخرى، "وكل مجتهد مصيب في الأصح.. والالتزام بمذهب معين أولى".
الوصول إلى مرتبة الاجتهاد أمر صعب المنال ودون الوصول إليه عقبات وعقبات تحتاج إلى صدق إيمان وإخلاص لله تعالى وصبر ومكابدة ومثابرة على تحصيل علوم الشريعة وما يرتبط بها من علوم ، وذلك كعلوم القرآن، وعلوم الحديث، والأصول، والمذاهب الفقهية، وعلوم اللغة العربة وما يتفرع من كل ما ذكرت من علوم ولم نسمع في الوقت المعاصر عن شخص يعلن نفسه مجتهدا مطلقا بالرغم من تطور وسائل المعرفة وسهولة الحصول عليها.
والآن لنتساءل : إذا أخذنا بمنطق هجر المذاهب الإسلامية فكيف سيتعبد المسلمون بدينهم مع العلم أن نسبة الأميين بينهم تشكل أرقاما قياسية، ومع العلم أيضا أن المتعلمين منهم لا تصل معارفهم الشرعية إلى الحد الذي يسمح باعتبارهم مقلدين..؟ وإذا تحرزت التساؤل العام فاني أسأل الأخ نصر هل هو مجتهد...؟ أم مقلد...؟ أم عامي...؟ وأعيد التساؤل بصيغة أخرى : هل يعتمد فيما يطرحه على تفكيره هو أم يعتمد على مقروءاته التي يقلدها...؟ لا أعتقد أن الأخ نصر يمكنه الادعاء بكونه مجتهداً.. ومن ثم فانه حتما مقلد حتى في قوله باللامذهبية.. لأن هذه الفكرة هي قطعاً ليست له.
ويدعي الأخ نصر أن الاخوان المسلمين لا مذهبيين.. ولكنه ينقض قوله بنسه.. وقبل أن أبين كيف نقض قول نفسه بنفسه فإني أسأل.. إذا كان الاخوان كذلك فمفهوم المخالفة لكل واحد منهم مذهب مستقل بناء على آرائه الخاصة التي يكونها من النصوص مباشرة.. والنتيجة النهائية لهذا القول هي عدم توحد فكر الاخوان المسلمين في العقيدة والعبادات والمعاملات والتنظيم... الخ.. ولا أحد يقول بهذا إطلاقا بل أن المؤكد أن الاخوان يربون أفرادهم على فكر واحد لا يسمح بأي خروج وبمعنى آخر فإن الاخوان يربون أتباعهم على المذهبية الضيقة الحرجة القائمة على الطاعة المطلقة وعدم السماح حتى بمناقشة مايطرح عليهم.. وكثيراً ممن لم يحتملوا هذا الضيق التنظيمي المذهبي خرجوا من جماعة الاخوان بعد معاناة شديدة نتيجة للاضطهاد التنظيمي والارهاب الفكري ولست بحاجة إلى المثال، فالاخ نصر نفسه.. يعرف أمثلة أكثر مني.
أما تناقض الكلام في عرض الاخ نصر لفكرة اللامذهبية عند الاخوان فهو اعترافه أن الاستاذ حسن البناء مؤسس حركة الاخوان المسلمين رحمه الله "قد كلف الشيخ سيد سابق تأليف كتاب فقهي يستند على أسح الأدلة يكون مرجعاً للاخوان المسلمين في كل مكان، فكان ذلك الكتاب هو "فقه السنة".. وبالاحتكام إلى كتاب فقه السنة للسيد سابق نجد أن النتيجة لا تخرج عن أحد أمرين كل منهما يؤكد المذهبية ولا ينفيها.
الأولى : أن ما فعله السيد سابق ليس أكثر من عرض المذاهب الإسلامية وآرائها في مسائل الفقه باسلوب مبسط عارضا مع ذلك الأدلة الشرعية وهو بذلك لا يلزم دارسي كتابه برأي معين حتى نقول أنه تجاوز أراء فقهاء المذاهب، بل ان يترك لك فرد حرية اعتقاد رأي المذهب الذي يعتنقه.. وهذه هي الميزة التي تحدثت عنها في مقالي السابق عندما أشرت إلى أن منهج حركة الاخوان قام على أساس القدرة على احتواء أتباع كل المذاهب الإسلامية.. مستدلا بقول الشهيد حسن البناء رحمه الله "نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه" والنتيجة هنا الاعتراف بالمذاهب الإسلامية داخل حركة الاخوان، فللحنفي أن يظل حنفيا، وللشافعي أن يظل شافعيا، وللحنبلي أن يظل حنبلياً، وهطذا ما دام كتاب فقه السنة يعرض المذاهب كلها ولا يلزم أعضاء الاخوان برأي معين.
النتيجة الثانية : هي افتراض كون رأي السيد سابق في المسائل التي يكون له فيها رأي خاص ملزما لأعضاء حركة الاخوان، وذلك إذا تم التسليم أن السيد سابق هو مجتد مطلق.. ففي هذه الحالة ليس من مفر من القول بوجود مذهب جديد يمكن أن نسميه "المذهب السابقي" يتعبد به أعضاء حركة الاخوان المسلمين.. وهي نتيجة لا تخرج عن فكرة المذهبية كما هو واضح.
وأنا شخصيا أعتقد أن فكرة اللامذهبية تنطبق فقط على المجتهدين : فكل من بلغ مرحلة القدرة على استنباط الاحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية فعلية أن يعمل باستنباطاته لا باستنباطات غيره، وبالاستقراء لا يندرج تحت هذه الفكرة إلا عدد قليل وقليل جداً.
فإذا ما دخل غير المجتهدين في اطار هذه الفكرة فإن أقل ما يمكن أن يطلق على منهجهم هو "التلف" كما أشرت في مقال سابق، هذا إذا لم نتجاوز هذا التعبير بالقول أن المنهج في هذه الحالة هو منهج التعدي على شرع الله والقول فيه بغير علم.
كما أن أعتقد أن المذهبية في اطار المذاهب الإسلامية المعروفة هي أقدر من اللا مذهبية على حفظ وحدة الأمة.. ذلك ان توزع المسلمين على سبعة مذاهب رئيسية هو أفضل –من حيث وحدة الأمة مما- تؤدي اليه اللا مذهبية من نتيجة مؤداها جواز أن يكون لكل فرد المذهب الخاص به مع ما يترتب على ذلك من نتائج خطيرة لا تخفى على عاقل.
وقد أدهشني ما أشار إليه الأخ مصطفى في معرض افتخار الاخوان المسلمين بمدرسة الإمامين "الشوكاني، وابن الأمير" تاكيده " أن ذلك لا يعني أن الاخوان المسلمين يقرون الشوكاني وابن الأمير في كل آرائهما التفصيلية" وتأكيده أن "الشرع لا يلزم إلا باتباع كتاب الله تعالى وما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يتصادم مع كتاب الله عز وجل" وأنا إذ أؤمن بهذا الطرح لا أعتقد أن الاخ نصر سيستطيع الالتزام به إلى النهاية، ومناقشة هذا الموضوع يحتاج إلى تناولة أخرى.. ولكني سأضع بعض التساؤلات التي يمكن أن تكون محور هذه التناولة.. هل هناك شك في أن بعض آراء الشوكاني وابن الأمير تفتقد الدليل الشرعي من الكتاب والسنة..؟ هل يمكن أن تكون السنة النبوية محلا للتمحيص من جديد للتخلي عن السنة التي تتصادم مع كتاب الله عز وجل..؟ هل يمكن تجاوز القاعدة التي اتفق العلماء عليها وهي ان أصح الكتب بعد القرآن الكريم الصحيحين البخاري ومسلم وتلقي الأمة لهما بالقبول..؟ هل يمكن رد الأحاديث التي بلغت حد التوتر –إذا تصادمت مع كتاب الله عز وجل- على حد تعبير الاخ نصر دون تكفير من يفعل ذلك..؟ هذه فقط بعض الأسئلة التي أثارها طرح الاخ نصر طه مصطفى، أشير إليها هنا تاركاً الخوض في تفاصيل الاجابة عليها لفرصة أخرى.
وأخيراً فان ما أشار إليه الأخ نصر طه مصطفى من عدم وجود مشكلات تثار بين حكته وأتباع المذاهب في قضايا العبادات في المساجد مدللا على ذلك باستمرار "حي على خير العمل" في أذان بعض المساجد هو قول يفتقد الدقة.. فالفتنة ما أطلت برأسها إلا باثارة قضايا العبادات في المساجد وكم من مشاجرة ثارت في المساجد لهذا السبب.. وهذا أمر معلوم للجميع وان كانت حدة هذه الاثارات تختلف من وقت لاخر.. وأما بقاء (حي على خير العمل) في أذان بعض المساجد.. فليس ذلك عند البعض إلا من قبيل مجاراة أذان إذاعة وتلفزيون صنعاء ولا أزيد على ذلك.
والله من وراء القصد
الوحدة..العدد(78)الأربعاء5جماد الثاني1412هـ .الموافق11/12/1991م
د/ أحمد عبدالرحمن شرف الدين
|